محمد حسين علي الصغير
221
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
وهذه المحاسن تتعلق بسلامة النص ، وخلوصه من التعقيد والتكرار ، وقلة حروفه ! وأدائه المراد بإيجاز ، وحسن وقعه في النفوس للاطراد والطباق وموازنة الحياة للقصاص ، وكلها اعتبارات بلاغية تقرب النص من النفس الإنسانية جودة وسلاسة ومرونة مع وضوح ودقة وإيجاز . بقي تنكير « حياة » ولم ينظر إليه بموقعه النحوي بقدر ما نظر إليه بتعيين نوعية الحياة الهادئة ، وتعظيم شأن الحياة الخالية من الاعتداء الهزؤ والجبروت وهو ملحظ بياني يقرب الوقع الموسيقى في اللفظ إلى الذائقة الفطرية عند المتلقي ، كما أنه طريقة من طرق أداء المعنى المراد بصور متعددة فيما يبدو . وأما الآية الثانية ، فإنها جمعت مكارم الأخلاق من أطرافها ، في الأخذ بأفضلها ، والأمر بأسماها ، والاعراض عن الجهلة ، قال القزويني : « ولهذا قال جعفر الصادق عليه السلام ( ت : 148 ه ) فيما روي عنه : أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لها من هذه الآية » « 1 » . ووقع هذه الآية من النفس الإنسانية المطمئنة موقع الماء من ذي الغلة الصادي ، ولا يعود هذا الأثر فيها لتركيب نحوي ، أو وضع أعرابي ، بقدر ما يعود إلى الأثر النفسي العائد إلى بلاغتها وسلامتها من الحشو والتطويل والإخلال . وأما إيجاز الحذف ، فقد يحذف فيه المضاف وقد يحذف الموصوف ، وقد تحذف الصفة ، وقد يحذف جواب الشرط ، وقد يحذف جزء من أجزاء الجملة ، وقد يحذف غير ذلك ، فيكون الإيجاز موسوما بحذف مضمون الجملة ، بالمسبب بعد ذكر السبب ، أو بالسبب بعد ذكر المسبب ، وقد يكون الإيجاز بحذف أكثر من جملة « 2 » . ولو دققت النظر في هذا الحذف ، وتسلمت الإيجاز في هذه الأحوال كافة ، لوجدت المزية فيه لما أفاده من معنى بلاغي ، في لفظ موجز ، وبيان
--> ( 1 ) القزويني ، الإيضاح : 290 . ( 2 ) ظ : المصدر نفسه : 291 .